عبد الملك الجويني

354

الشامل في أصول الدين

كلي ، فهو متناقض ، يقطع الكلام عن ملتزمه . وإن تحقق في الناسوت شيء شامل للآحاد ، جامع للجزئيات يستحيل أن يكون ذلك الجامع جزءا بديهة وضرورة . بل كل جزء من ذلك الجامع مع حكم ، ولكل جزء ارتباط بالجامع ، واندراج تحته . فكل إنسان إذا جزئي كلي على ذلك ، ولا اختصاص للمسيح . وهذا يقطع دابرهم ويحسم تشغبهم . ثم نقول : لو جاز تقدير إنسان جامع ، جاز تقدير وجود جامع لجملة الحوادث ، حتى تكون الموجودات جزئيات ، يجمعها وجود كلي ، ويلزم من هذا الدهر . فإن ذلك لو ثبت ، استقام الملحدة أن يقولوا : الحوادث لا نهاية لها ، ووجود جميعها جامع واحد ، وهو قديم لا أول له ، كما لا أول لوجود الصانع عند مثبتيه من حيث اتحد وجوده . وإنما الذي يصعب موقعه على الدهرية : إثبات حوادث ، كل حادث منها ينفصل عن سائرها ، ثم تتوالى إلى غير أول . فإذا سوغ إثبات شامل واحد جامع ، اندفعت عنهم الطلبات . ولو جاز إثبات كلي وبعضي من الناسوت ، لجاز ذلك في الأعراض ، حتى يقال : قد يجمع جميعها شامل واحد ثم تنقسم هي إلى جزئيات . والنصارى لم يلتزموا شيئا من ذلك وليس لهم من الالتزام أو نقض أصله بدّ . ثم نقول : إنما الذي يعقل من الناس صور وأظلال وأشباح ، وكل صورة تتميز عن سائر الصور ، وليس تتعدى منه صورة إلى صورة . وإنما الذي ظنوه جامعا عموم الصيغة ، وسموا اللفظة المتناولة للآحاد والأفراد ، وذلك لا يرجع إلى الذوات . ثم نقول : لو اتحدت الكلمة بالناسوت العام الجامع ، والناسوت العام شامل للجزئيات ، فيجب من ذلك أن يكون كل جزئي مسيحا ، أو لا يكون جزئي مسيحيا ، إذ الإنسان الكلي لا يختص بجزء ، ولا يستقل الإنسان الكلي بنفسه دون الجزئيات . فيلزم من طرد ذلك أحد أمرين : أحدهما : إن كل ما له كلّ جزء من حيث تعلق دكر الكلي به ، إذ لا يثبت الثابت إلا لكل الجزئيات معا . فبطل ما قالوه من كل وجه ، ولم يبق لتمويهاتهم معنى . وأما الذين قالوا إن مريم كلي ، فقد ناقضوا من وجهين : أحدهما أنهم قالوا : اتحدت الكلمة بالكلي ، واعترفوا بأنها لم تتحد بمريم . والوجه الآخر : أن إثبات كليين من وجه واحد لجزئيات ، محال ، وإن كانت مريم كلا ، كانت كلا للمسيح ، وكان المسيح كلا لها ، فكيف يكون الشيء كلا لما هو كل له ؟ وهذه غاية في الجهالة لا يرتضيها عاقل . القول في إثباتهم الآلهة والرد عليهم اعلموا أحسن اللّه إرشادكم ، أن النصارى افترقت مذاهبهم فيما نروم الخوض فيه . فذهب الروم إلى التصريح بإثبات ثلاثة آلهة . وامتنع من ذلك اليعقوبية والنسطورية من وجه ،